علي بن أحمد المهائمي
160
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
وجها ) « 1 » خاصا من تجلياته أراد بذلك أن يعبد فيها ( يعرفه من يعرفه ، ويجهله من يجهله ) . وليس ذلك الوجه في سائر المظاهر ، وإلا لعبدت أيضا ، وغلطوا في ذلك فإن الحق إنما أراد أن يعبده فيها من كان بينه وبين الحق حجاب فلا يراه إلا ( في ) هذه المظاهر القاصرة ، ويقتصر نظره عليها والدليل على أنه المعبود فيها بالحقيقة ما ورد في كتاب ( المحمديين ) ، وهو قوله تعالى : ( وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [ الإسراء : 23 ] ) ، أي : حكم ولا تبدل لحكم اللّه لكن عبادته بذاته حق ، وعبادة المظاهر باطلة لما فيها من التفرقة أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ [ يوسف : 39 ] ، ( فالعالم ) بظهور الحق فيها ( يعلم من عبد ) فيها بالحقيقة ، وإن قصد الغير ؛ لكن الجزاء إنما يترتب على القصد إذ له تأثير في المقاصد « إنما الأعمال بالنيات » « 2 » ، لا على ما وقع في الحقيقة ولو قصدوا عبادة الظاهر فيها ، فإن قصدوا ذلك لاختصاصها بالمظهرية أو لكمال مظهريتها فهو أيضا غلط فاحش ، وإلا فلا معنى لعبادتها . [ وفي أيّ صورة ظهر حتّى عبد ، وأنّ التّفريق والكثرة كالأعضاء في الصّورة المحسوسة وكالقوى المعنويّة في الصّورة الرّوحانيّة ، فما عبد غير اللّه في كلّ معبود ، فالأدنى من تخيّل فيه الألوهيّة ؛ فلو لا هذا التّخيّل ما عبد الحجر ولا غيره ، ولذا قال : قُلْ سَمُّوهُمْ [ الرعد : 33 ] فلو سمّوهم لسمّوهم حجرا أو شجرا أو كوكبا ولو قيل لهم من عبدتم لقالوا : إلها ما كانوا يقولون اللّه ولا الإله ، والأعلى ما تخيّل بل قال : هذا مجلى إلهيّ ينبغي تعظيمه فلا يقتصر ، فالأدنى صاحب التّخيّل يقول : ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [ الزمر : 3 ] . والأعلى العالم يقول : فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا [ الحج : 34 ] حيث ظهر ، وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ [ الحج : 34 ] الّذين خبت نار طبيعتهم ، فقالوا : إلها ، ولم يقولوا : طبيعة ، وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً أي حيّروهم في تعداد الواحد بالوجوه والنسب ، وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ [ نوح : 24 ] لأنفسهم ، و الْمُصْطَفَيْنَ [ ص : 47 ] الّذين أورثوا الكتاب ، فهم أوّل الثّلاثة ، فقدّمه على المقتصد والسّابق ، إِلَّا ضَلالًا [ نوح : 24 ] إلّا حيرة ،
--> ( 1 ) في نسخة : « موجود » . ( 2 ) رواه البخاري ( 1 / 3 ) ، وابن حبان ( 2 / 113 ) ، والبيهقي في « السنن » ( 1 / 41 ) .